الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
243
نفحات الولاية
ثم قال عليه السلام : « وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ إِمَامٌ جَائِرٌ ضَلَّ وَضُلَّ بِهِ ، فَأَمَاتَ سُنَّةً مَأْخُوذَةً ، وَأَحْيَا بِدْعَةً مَتْرُوكَةً » . فمن البديهي أنّ دعائم العدالة وركائزها في المجتمع إنّما تستحكم في ظل إحياء السنن الإلهية التي تضمن خير البشرية وسعادتها ، وتهجر البدع التي تسوق الناس إلى الفساد والظلم . والحاكم الذي يقوم بهذه الأعمال إنّما يفصح عن ظلمه وفساده ، بالتالي فهو شر الناس ، ذلك لأنّه يسوق المجتمع إلى البؤس والشقاء ، بغض النظر عن ظلمه لنفسه وسوقها للشقاء الأبدي . ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه مستشهداً بحديث خطير عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فقال : « وَإِني سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - يَقُولُ : « يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْإِمَامِ الْجَائِرِ وَلَيْسَ مَعَهُ نَصِيرٌ وَلَا عَاذِرٌ ، فَيُلْقَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ ، فَيَدُورُ فِيهَا كَمَا تَدُورُ الرَّحَى ، ثُمَّ يَرْتَبِطُ فِي قَعْرِهَا » » « 1 » . فقوله عليه السلام : « وَلَيْسَ مَعَهُ نَصِيرٌ وَلَا عَاذِرٌ » إشارة إلى أنّه كان له في الدنيا فئة من الناس يقفون إلى جانبه في الشدائد والمشاكل التي تعرض عليه ويجدون له المبررات في ممارسة الظلم والجور ، ومن جانبه كان يغدق عليهم الامتيازات بغية الاحتفاظ بهم . أمّا في ذلك اليوم فهو وحيد فريد في محكمة العدل الإلهي وليس له سوى النار جزاء لأعماله الشنعاء . ولعل العبارة « فَيَدُورُ فِيهَا كَمَا تَدُورُ الرَّحَى » إشارة إلى أنّ دورانه في نار جهنم يوجب مزيداً من الألم والإحراق أولًا ويجلب انتباه الأخرين ثانياً فتبدوفضيحته علانية . ثم أشار الإمام عليه السلام إلى نقطة مهمّة تتعلق بمصير عثمان تحذره من مغبة سوء فعاله فقال : « وَإِني أَنْشُدُكَ « 2 » اللَّهَ الَّا تَكُونَ إِمَامَ هذِهِ الْأُمَّةِ الْمَقْتُولَ ، فَإِنَّهُ كَانَ يُقَالُ : يُقْتَلُ فِي هذِهِ الْأُمَّةِ إِمَامٌ يَفْتَحُ عَلَيْهَا الْقَتْلَ وَالْقِتَالَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ » . فالإمام عليه السلام وإن لم يشر إلى من قال هذا الكلام ، لكن من الواضح أنّه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، وقد وقع عين ما أخبر به حيث كان الظلم سبب قتل عثمان وأثر ذلك - وبحجة دم عثمان - حصل كل ذلك
--> ( 1 ) . روى الطبري هذه الخطبة مع الحديث في ( تاريخه ) ، ج 3 ، ص 376 حوادث سنة 34 ( 2 ) . « أنشد » بصورة ثلاثي مجرّد على وزن أقتل من مادة ( نشد ) ، على وزن قتل ، بمعنى التذكير والطلب وإنشادضالة ، بمعنى كسب الاطلاع من الناس بشأن الضالة